ابن الزيات
289
التشوف إلى رجال التصوف
وحدثني عبد الواحد بن سالم الصودى قال : كنت عند أبي إبراهيم . فدخلت عليه جماعة وهو مستقبل القبلة . فقعدوا خلفه على البعد منه وولاهم ظهره . فمشت خنفساء حتى وصلت أحدهم . فرماها بطرف إصبعه ، فعادت إليه فرماها . فقال له أبو إبراهيم : دع ذلك الحيوان فإنه لا يخرج إلا إذا أتى أمثالكم . وكانوا ممن لا ترضى أحوالهم . وحدثني عبد الواحد أن رجلا من قومه دخل عليه . فقال له أبو إبراهيم : إني أشتهي لحما . فاشترى له الرجل لحما من السوق وأمر أهله فصنعوه بالأفواه وأتاه به وذهب عنه . ثم جاءه في اليوم الثاني فوجد اللحم على حالته . فقال له أبو إبراهيم : ما شأن هذا اللحم ؟ فإني أردت أن آكل منه فوجدته مملوءا دودا ! فذهب به الرجل وجاء إلى الجزار فقال له : ما شأن اللحم الذي اشتريته منك ؟ فقال له : اشتريت كبشا من غنم جاء بها فلان . يعنى رجلا من أشياخ القبائل لا يتورع . فأخبر الرجل الجزار بما قال له أبو إبراهيم . فقال له الجزار : لو أعلمتنى أنك اشتريته لأبى إبراهيم لأعلمتك وما بعته منك . وكان البسباس بدار أبى إبراهيم كثيرا كأكبر الشجر . يقال إنه جاء ببزره من بلاد المشرق ؛ فلا يشكو إليه أحد بعلة أي علة كانت إلا أعطاه منه ، فينفع لكل داء بإذن اللّه تعالى . وحدثني جابر بن ياسين قال : كنت عند أبي إبراهيم ، فدخل عليه رجل من أهل المشرق فسر به سرورا عظيما . فقدم لنا أنواعا من الطعام وأكل معنا لشدة سروره بذلك الرجل . ثم أنشأ يسأله عن الصالحين من أهل الشام واحدا بعد واحد ويسميهم له بأسمائهم إلى أن سأله عن أهل مدينة الرسول عليه السّلام ، فقال له : ما فعلت العجوز سيدة الناس ؟ فقال له الرجل : ماتت . فتأسف أبو إبراهيم بخبر موتها تأسفا شديدا ثم قال : كانت لي ، بالمدينة ، كالأم الشقيقة وكانت تأتيني بطعام أفطر عليه مدة اعتكافى بمسجد الرسول عليه السّلام [ من البسيط ] : لا تلق دهرك إلّا غير مكترث * ما دام يصحب فيه روحك البدن فما يديم سرورا ما سررت به * ولا يردّ عليك الفائت الحزن ممّا أضرّ بأهل العشق أنّهم * هووا وما عرفوا الدّنيا ولا فطنوا